1-قال ابن جرير في تفسيره عن شيخه ابن الزبير:
لما كان القرآن العظيم من أعظم نعم الله على عباده، والنعم مظنة الحسد، فختم بما يطفئ الحسد من الاستعاذة بالله. إنما ختم بهما لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيهما: (أنزلت عليَّ آيات لم أر مثلهن قط) كما قال في فاتحة الكتاب: (لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها) ففتح القرآن بسورة لم ينزل مثلها، واختتمه بسورتين لم ير مثلهما، يجمع حسن الافتتاح وحسن الاختتام. 1-عن عقبة بن عامِر - رضي الله عنه - : أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : (( ألَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ ؟{ قُلْ أَعْوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ } وَ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } )) رواه مسلم..
2- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ
« تُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِى التَّوْرَاةِ وَلاَ فِى الإِنْجِيلِ وَلاَ فِى الزَّبُورِ وَلاَ فِى الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا ».
قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « كَيْفَ تَقْرَأُ فِى الصَّلاَةِ ».
قَالَ فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِى التَّوْرَاةِ وَلاَ فِى الإِنْجِيلِ وَلاَ فِى الزَّبُورِ وَلاَ فِى الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِى وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِى أُعْطِيتُهُ ».
رواه الترمذي و ابن خزيمة وابن حبان :
3-وعن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : بَيْنَمَا جِبْريلُ - عليه السلام - قَاعِدٌ عِنْدَ النبي - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ نَقيضاً مِنْ فَوقِهِ ، فَرَفَعَ رَأسَهُ ، فَقَالَ : هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطٌّ إِلاَّ اليَوْمَ ، فنَزلَ منهُ مَلكٌ ،
فقالَ : هذا مَلكٌ نَزلَ إلى الأرضِ لم ينْزلْ قطّ إلاّ اليومَ فَسَلَّمَ
وقال : أبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ : فَاتِحَةُ الكِتَابِ ، وَخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلاَّ أُعْطِيتَه .
أنه لما أمر القارئ أن يفتتح قراءته بالتعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ختم القرآن بالمعوذتين لتحصل الاستعاذة بالله عند أول القراءة وعند آخر ما يقرأ من القرآن .. ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر اللّه ودعاؤه،
فان حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق،
والمنطق قسمان : خبر وإنشاء،
وأفضل الخبر وانفعه وأوجبه ما كان خبرًا عن اللّه كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص،
وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب وانفعه وأوجبه ما كان طلبًا من اللّه، كالنصف الثاني من الفاتحة و المعوذتين . " ا.هـ
ويترتب على ما سبق أن الثناء يجب أن يتقدر بقدر المطلوب، فالمطلوب في سورة الفلق سلامة النفس والبدن، والمطلوب في السورة الثانية سلامة الدين، وهذا تنبيه على أن مضرة الدين وإن قلت: أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت..
3- قال د.عبد الله الفقيه:
ولعل وجه ختم القرآن الكريم بسورتي الفلق والناس هو إشعار الإنسان إلى أنه معرض لشرور جمة لا منجاة له منها إلا باللجوء إلى الله تعالى للعصمة منها. 4-قال الشيخ نظام الدين النيسابوري :
هنا نكتة دقيقة تتعلق بالرب والإله
إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس ، وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس ، وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس .
كتاب غرائب القران ورغائب الفرقان..
5- قال الفخر الرازي فى تفسيره:
إنه ختم القرآن على اسم الإله حيث قال : { مَلِكِ الناس * إله الناس } قلنا : فيه لطيفة وهي كونه تعالى
قال : قل أعوذ بمن هو ربي ولكنه إله قاهر لوسوسة الخناس فهو كالأب المشفق الذي يقول ارجع عند مهماتك إلى أبيك المشفق عليك الذي هو كالسيف القاطع والنار المحرقة لأعدائك فيكون هذا من أعظم أنواع الوعد بالإحسان والتربية.. 6-ومن كتاب أسرار المعوذتين قال فرحان العطار:
أنه ختم كتابه بسورة الناس و هذا له دلالته و أسراره . أن آخر كلمه عند ختم المصحف هي كلمة ( الناس ) و في هذا مزيد شرف و عناية . تكرر كلمة ( الناس ) خمس مرات في هذه السورة و هذا أيضاً له دلالاته. فدل ذلك بأن الناس أشرف مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربا وملكا وإلها لهم. -في السورتين إبطال رد على من اتهامات المشركين للنبي صلى الله عليه و سلم بأنه ساحر أو بأن له رئي من الجن و نحو ذلك من الاتهامات .
- في سورة الناس تذكير بخطورة شياطين الأنس و قل من ينتبه لهذا الأمر و لو قام أحدنا بزيارة للسجون أو دور الملاحظة لعلم خطر هذه الوسوسة من شياطين الأنس حتى كان التذكير بها في آخر المصحف .
7-ومن تفسير العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله قال:
ولهاتين السورتين خصوصية غير المناسبات التي يذكرونها في ارتباط بعض السور بالبعض، ويستخرجون منها بالتدبر ما لا يحصى من الأنواع، وهذه الخصوصية هي ختم القرآن بهما. وترتيب السور توقيفي، ليس من صنيع جامعي المصحف كما ذكره السيوطي في الإتقان وجماعة. يستطيع دارس القرآن ومتدبره ومتقلبه، بالذهن المشرق والقريحة الصافية، أن يستخرج من الحكم في هذا الختم بهما أنواعاً. أنهما ختم على كنوز القرآن في نفس المؤمن، وتحصين لهذه النعم المنشأة له من القرآن عليه أن يكدرها عليه كيد كائد، أو حسد حاسد، فإن من أوتي الشيء الكريم، ورزق النعمة الهنية، هو الذي تمتد إليه أيدي الأشرار وألسنتهم بالسوء،
وتتطلع إليه نفوسهم بالحسد والبغضاء،
ويشتد عليه تكالبهم، سعياً في سلبه منه، أو تكديره عليه.
وعلى مقدار [[نفاسة]] ما تملك، تكون هدفاً لمكائد الكائدين،
وتأتيك البلايا من حيث تدري ولا تدري.
ومن أوتي القرآن فقد طوي الوحي بين جنبيه، وأتي الخير الكثير، فهو لذلك مرمى أعين الحاسدين،
ومهوى أفئدة الكائدين؛ فكان حقيقاً،
أن يلتجئ إلى الله طالباً منه الحفظ والتحصين من شر كل كيد وحسد يصيبه على هذا الخير العظيم، الذي كمل له هذه النعمة الشاملة التي تمت عليه.
ب- والأخرى: هي أن من أوتي القرآن وتفقه فيه، وأحاط بالعلم من أطرافه، وملك كنزه الذي لا ينفد.
وأن من آفات العلم اغترار صاحبه به،
وقد يتمادى به الغرور حتى يسول له أن ما أوتيه من العلم
كافٍ في وقايته من الأضرار،
ونجاته من الأشرار، فكان من رحمة الله بصاحب القرآن،
ولطف تأديبه له، وحسن عنايته به، أن ختم بهاتين السورتين كتابه؛ لتكونا آخر ما يستوقف القارىء المتفقه، وينبهه إلى أن في العلم والحكمة مسألة لم يتعلمها إلى الآن،
وهي: أنه مهما امتد في العلم باعه،
ولا بد له من الالتجاء إليه، والاعتصام به، يستدفع به شر الأشرار،
وحسد الحاسد. وكفى بهذه التربية قامعاً للغرور، وإنه لشر الشرور.
هذه هي المناسبة العامة بين جميع القرآن مرتباً ترتيبه التوقيفي، وبين هاتين السورتين في اتحاد موضعهما.
lh hgp;lm td ojl i`h hgrvNk hgu/dl fhglu,`jdk? hgu/dl hgrvNk